فخر الدين الرازي

210

القضاء والقدر

حصين . قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعقلت ناقتي ، ودخلت . فأتاه نفر من بني تميم . فقال : « أقبلوا البشرى يا بني تميم » فقالوا : بشرتنا ، فأعطنا . فجاءه نفر من أهل اليمن ، إذ لم يقبلها إخوانكم بني تميم » فقالوا : قد قبلنا . وأتيناك لنتفقه في الدين ، ونسألك عن بدو هذا الأمر . فقال : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، وخلق السماوات والأرض » . واعلم : أن هذا الخبر فيه فوائد : أحدها : أن الحيّز والجهة : أمر موجود . بدليل : أنه مشار إليه بحسب الحس ، ومقصد المتحرك . ويوصف بالقرب والبعد ، ويقبل التقدير والمساحة . وكل ما كان كذلك ، فهو شيء موجود لا محالة . فقوله عليه السلام : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره » يدل على أن الأحياز والجهات ما كانت موجودة في الأزل ، وإذا كان كذلك ، علمنا : أنه تعالى ما كان في الأزل ، حاصلا في حيز وجهة أصلا . وثانيها : إن قوله : « ولم يكن شيء غيره » يدل على حدوث الأجسام والأعراض والعقول والنفوس . ويدل أيضا : على فساد قول المعتزلة في أن المعدوم شيء . وثالثها : قوله : « وكتب كل شيء في الذكر » فهذا يدل على قولنا في مسألة القضاء والقدر . لأن العبد لو أتى بخلاف ذلك المكتوب ، لصار حكم اللّه باطلا ، وخبره كذبا . وذلك محال . والمفضي إلى المحال محال . فثبت : أن كل ما كتب في اللوح المحفوظ ، فهو واقع ، وإن العبد لا قدرة له على خلافه . الحجة الرابعة والعشرون : عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق الجنة ، وخلق لها أهلا . وهم في أصلاب آبائهم . وخلق النار ، وخلق لها أهلا . وهم في أصلاب آبائهم » « 1 » والاستدلال به ظاهر . الحجة الخامسة والعشرون : الدعاء المشهور المأثور عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهو قوله : « اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت » « 2 » ولو كان جعل العبد ليس من خلق اللّه تعالى ، لكان

--> - ( 4 / 128 - 129 ) بلفظ « كان اللّه ولم يكن شيء غيره » ورواه أحمد ( 4 / 431 ) عن عمران رضي اللّه عنه مرفوعا بلفظ « كان اللّه اللّه تبارك وتعالى قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء » . ( 1 ) حديث عائشة رضي اللّه عنها تقدم تخريجه . ( 2 ) هذا الدعاء ورد في عدة أحاديث منها ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد : اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد » . ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم أبو داود والنسائي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا